فخر الدين الرازي
385
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أنه قال : وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ [ الأعراف : 17 ] وسبب القلة أن الدواعي إلى الدنيا كثيرة ، وهي الحواس الباطنة والظاهرة وهي عشرة والشهوة والغضب والقوى الطبيعية السبعة فالمجموع تسعة عشر واقفون على باب جهنم البدن ، وكلها تدعو إلى الخلق والدنيا واللذة الحسية ، وأما الداعي إلى الحق والدين فليس إلا العقل واستيلاء القوة الحسية والطبيعية على الخلق أكثر من القوة العقلية فيهم ، فلهذا السبب وقعت القلة في جانب أهل الخير والكثرة في جانب أهل الشر ، قال صاحب « الكشاف » وما في قوله : وَقَلِيلٌ ما هُمْ للإبهام وفيه تعجب من قلتهم ، قال وإذا أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس : وحديث ما على قصره - وانظر هل بقي له معنى قط . ثم قال تعالى : وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ قالوا معناه وعلم داود أنما فتناه أي امتحناه ، قالوا / والسبب الذي أوجب حمل لفظ الظن على العلم هاهنا أن داود عليه السلام لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك ، ثم صعد إلى السماء قبل وجهه ، فعلم داود أن اللّه ابتلاه بذلك فثبت أن داود علم ذلك وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم لأن العلم الاستدلالي يشبه الظن مشابهة عظيمة ، والمشابهة علة لجواز المجاز ، وأقول هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين أما إذا لم نقل ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العلم ، بل لقائل أن يقول إنه لما غلب على ظنه حصول الابتلاء من اللّه تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة . أما قوله : فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ أي سأل الغفران من ربه ، ثم هاهنا وجهان إن قلنا بأنه قد صدرت زلة منه ، حملنا هذا الاستغفار عليها ، وإن لم نقل به قلنا فيه وجوه الأول : أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله ، وإنه كان سلطانا شديد القهر عظيم القوة ، ثم إنه مع أنه مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع حصول الفزع في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئا قرب الأمر من أن يدخل في قلبه شيء من العجب ، فاستغفر ربه عن تلك الحالة وأناب إلى اللّه ، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق اللّه ، فغفر اللّه له وتجاوز عنه بسبب طريان ذلك الخاطر الثاني : لعله هم بإيذاء القوم ، ثم قال إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر عن ذلك الهم الثالث : لعل القوم تابوا إلى اللّه وطلبوا منه أن يستغفر اللّه لهم لأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى اللّه ، فغفر اللّه ذنوبهم بسبب شفاعته ودعائه ، وكل هذه الوجوه محتملة ظاهرة ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه وإذا كان اللفظ محتملا لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام المنكرات التي يذكرونها ، فما الذي يحملنا على التزامها والقول بها ، والذي يؤكد أن الذي ذكرناه أقرب وأقوى أن يقال ختم اللّه هذه القصة بقوله : وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ومثل هذه الخاتمة إنما تحسن في حق من صدر منه عمل كثير في الخدمة والطاعة ، وتحمل أنواعا من الشدائد في الموافقة والانقياد ، أما إذا كان المذكور السابق هو الإقدام على الجرم والذنب فإن مثل هذه الخاتمة لا تليق به ، قال مالك بن دينار : إذا كان يوم القيامة أتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة ، ويقال يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا واللّه أعلم ، بقي هاهنا مباحث فالأول : قرئ فتناه وفتناه على أن الألف ضمير الملكين الثاني : المشهور أن الاستغفار إنما كان بسبب قصة النعجة والنعاج ، وقيل أيضا إنما كان بسبب أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن سمع كلام الثاني وذلك غير جائز الثالث : قوله : خَرَّ راكِعاً وَأَنابَ يدل على حصول الركوع ، وأما السجود فقد ثبت بالأخبار وكذلك البكاء الشديد في مدة أربعين يوما ثبت بالأخبار الرابع : أن